فخر الدين الرازي
134
المطالب العالية من العلم الإلهي
[ لأن « 1 » الحكيم كما يتكلم بالحقيقة ، فقد يتكلم بالمجاز . وإذا كان الأمر كذلك ، لم يلزم من حمل بعض الآيات على مجازاتها : محذور . فهذه جملة ما يتعلق بهذه المقدمة . وبالله التوفيق
--> 195 ] وعلماء بني إسرائيل يفهمون القضية على أنها محكم ومتشابه ففي الفصل التاسع من « براشيت ربه » ما نصه : « لا يوجد شر نازلا من فوق » . وهم بهذا قد أولوا نص أشعياء بإرجاعه إلى المحكم . ولموسى بن ميمون المتوفى سنة 602 ه تعليل وجيه لبعض أنواع الشرور . والغاية من تعليله : أنها من الناس وليست من اللّه . يقول ابن ميمون : « أما الضروريات كلها فمحصورة متناهية . أما التطاول فغير متناه . إن تعلق شوقك : أن تكون أوانيك فضة ، وكونها ذهبا أجمل - وآخرون اتخذوها بلورا - ولعلك أيضا تتخذ من الزمرد والياقوت كل ما يمكن وجوده . فلا يزال كل جاهل فاسد الفكرة : في نكد وحزن ، على كونه لا يصل أن يعقل ما فعله فلان من التطاولات . وفي الأكثر يعرض نفسه لأخطار عظيمة ، كركوبه البحر وخدمة الملوك . وغاية ذلك : أن ينال تلك التطاولات الغير ضرورية . فإذا أصابته المصائب في طرقه تلك التي سلكها ، تشكي من قضائه وقدره ، وأخذ يذم الزمان ، ويتعجب من قلة إنصافه ، كيف لم يساعده على تحصيل مال جزيل يجد به خمرا كثيرا ، يسكر بها دائما ، وجواري عدة ، محليات بأنواع الذهب والأحجار ، حتى يحركنه للجماع بأكثر مما في الطاقة ، ليلتذ ؟ كأن الغاية الوجودية إنما هي لذة هذا الخسيس فقط . وإلى هنا انتهى غلط الجمهور ، حتى عجّزوا البارئ ، في هذا الوجود الذي أوجده بهذه الطبيعة الموجبة لهذه الشرور العظيمة بحسب خيالهم ، لكون تلك الطبيعة لا تساعد كل ذي رذيلة على نيل رذيلته ، حتى يوصل نفسه السيئة غاية سؤلها ، الذي لا نهاية له » [ دلالة الحائرين ص 505 ] ( 1 ) مخطوطة أسعد فيها زيادات غير موجودة في ( م ، ط ) والنسخ المشابهة لهما . ومن هنا تبدأ الزيادة إلى قوله ووجه الاستدلال بهذا الخبر الذي بعده الحجة الثامنة عشر التي فيها خلقت هؤلاء للجنة ولا أبالي . في الفصل الثاني من الباب الثالث .